الأحد، 25 نوفمبر 2012
الرسول صلى الله عليه و سلم و الشعراء
من الثابت أن الشعراء فى الجاهلية لم يكونوا مفخرة لقبائلهم فحسب , بل لهم
اليد الطولى فى لعب أدوار رئيسية و هامة فى حلبة الحكم وصناعتة السياسية ,
خاصة فى أيام الحروب نظراً لمقدرتهم البيانية فى التعبير و شحن النفوس و
إلهاب المشاعر , و فى عهد رسول الله إعترف الشعراء الكبار بالرسول و بإعجاز
القرآن و فصاحته التى فاقت جميع البلاغات و الفصاحات ووقف الشعراء أمام
عظمة هذا القرآن الكريم وقوة بيانه فى عجز منقطع النظير و لامجال للمقارنة
فأدركوا أنه ليس من قول البشر فدخلوا فى الإسلام و خاصة أثنان من كبار
الشعراء فى وقتها وهم (( لبيد و الأعشى )) و كان لبيد شاعر قبيلة كلاب ,
إحدى قبائل هوازن , أما الأعشى : فكان شاعراً طوافاً , مدح فى رسول الله
كثيراً , و لكن رسول الله لم يميل إلى شعره نظراً لأن الشعر كان سمة مميزة
من سمات الوثنية فى الجاهلية , فضلاً عن القرآن الكريم نبذ الشعر وبين أن
الشعراء لا يتبعهم إلا الغاوون فى قول الحق عز شأنه {وَالشُّعَرَاء
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} (224) سورة الشعراء , وحاش لله أن يكون رسول
الله هكذا , و لا شك أن القرآن الكريم هو أعظم كلام على وجه الأرض فهو كلام
المولى سبحانه و تعالى و الذى قال عنه الله سبحانه و تعالى {إِنَّ هَذَا
الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ
الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (9)
سورة الإسراء , و قال عنه أيضاً سبحانه و تعالى { قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ
الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ
يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (88)
سورة الإسراء , و قال تعالى فى أربع آيات متشابهات فى سورة القمر {وَلَقَدْ
يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } (17) (22) (32)
(40) سورة القمر
الهجرة إلى الحبشة و إسلام النجاشى
فى السنة الخامسة من الدعوة الإسلامية زاد عدد المؤمنين لكنهم ليسوا
بالعدد الذى يستطيع الوقوف فى وجة قريش و الدفاع عن نفسة ضد الظلم و القهر و
العدوان , فنصحهم رسول الله بترك مكة و الهجرة إلى الحبشة لأن فيها ملك لا
يُظلم عندة أحد و عادل فى حكمة كريماً فى خلقة , وهناك يستطيعون العيش فى
سلام آمنين على أنفسهم و على دينهم و كان عددهم فى ذلك الوقت ثمانين رجلاً
غير الأطفال و النساء , و عندما علمت قريش بذلك أنزعجت و زاد انزعاجها أكثر
بإسلام عمر بن الخطاب و هجرته جهراً , وفى الحبشة كان النجاشى ملك لها و
كان على النصرانية و لكنه كان ملك كريم عادل لا يظلم أحداً , و بعد أن علمت
قريش بهجرة المسلمين ارسلوا أثنين منهم من بينهم سيدنا (( عمرو بن العاص
)) قبل إسلامة فذهبوا للنجاشى و أهدوة الهدايا ثم حدثاه بأمر المسلمين فقال
لهم النجاشى : لن احكم عليهم إلا بعد أن اسمع منهم , فجاؤا برجال من
المسلمين و كان على رأسهم جعفر بن أبى طالب فسألهم النجاشى : ما شأنكم و ما
هو هذا الدين الذى تعبدونه ؟ فرد عليه جعفر بن ابى طالب و قال : إنا كنا
نع
بد الأصنام و نأكل الميتا ونأكل الفواحش و
نقطع الرحم و نؤذى الناس فجاءنا رجل هو من أفضل قومنا و أوسطها برساله من
عند الله رب العالمين فأمرنا أن نعبد الله الواحد ونترك عباده الأصنام و
أمرنا بصله الرحم وعدم إيذاء الناس و أمرنا بالأخلاق الحميدة و أمرنا بترك
الفجور و المعاصى و فعل الخير فقال له النجاشى : هل عندك من ما جاء به هذا
الرجل ؟ قال له جعفر نعم فقال له النجاشى : إقرأ علي : فقرأ سيدنا جعفر :
سورة مريم و ذكر له قصة زكريا عليه السلام و يحيى عليه السلام فقال له
النجاشى : إن هذا ما جاء به عيسى عليه السلام لا يخرج من مشكاه ( النافذة )
واحدة فتأثر النجاشى و قال لهم : إذهبوا فتركهم , و لكن سيدنا عمرو بن
العاص كان زكياً فطناً فاستأذن مرة أخرى على النجاشى فدخل عليه و قال له :
إن هؤلاء الذين تركتهم فى مدينتك يسبون عيسى عليه السلام , فأستدعاهم
النجاشى مرة أخرى و قال لهم: ما تقولون فى عيسى عليه السلام ؟ فردوا عليه
بالأيات من سورة مريم أيضاً : فتعجب النجاشى و قال : الله أكبر و أخذ عود
صغير من الارض و قال : والله ما تعدى عيسى ما قلت هذا العرجون , و لكن بدأت
الفتنة بعدها فى أرض الحبشة لأن النصرانيين فى الحبشة لم يسرهم ما حدث ,
حتى أسلم النجاشى سراً و حدثت حرب بين أنصار النجاشى و جيش أخر و انتصر
النجاشى و سار المسلمون فى أمان فى بلاد الحبشة ينشرون الدعوة هناك . و ظل
النجاشى مسلم فى الخفاء حتى مات و جاء جبريل للنبى و أبلغة بموت النجاشى
فصلى عليه النبى صلاه الغائب.
حكمة وفاة أبناء الرسول صلى الله عليه و سلم الذكور
قد يسأل سائل لماذا لم يعش لرسول الله أولاداً ذكوراً بعد وفاته ؟
الجواب : أن ابن النبى لابد و أن يكون نبياً و لو عاش ولد من أبناء الحبيب
لكان نبياً بعده , و لو كان نبياً بعده ما كان هو خاتم الأنبياء و
المرسلين , إنها حكمه الرب سبحانه وتعالى البالغة و قدرته و ثناءه
المتناهيه , فى العظمة و سمو الرفعة فى التقدير و لذا قرر القرآن العظيم
هذة الحكمة وأجاب على المفسرين و ردع الشامتين بقول الحق سبحانه و تعالى {
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ(1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)
إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)} سورة الكوثر , و المعنى : أى كيف
تكون أبتر و قد رفع الله تعالى لك ذكرك , فسرنا نقول يا رسول الله فى
الأذان و فى الإقامة و كل شىء , و كيف تكون أبتر و قد أعطيناك الكوثر وهو
نهر فى الجنة , أنت يا رسول الله خاتم الأنبياء و المرسلين و لو عاش لك ولد
يخلفك فى الدنيا لابد وأن يكون نبياً مثل أبيه و كيف يكون نبياً بعدك و
أنت خاتم الأنبياء ؟ و قد بين القرآن العظيم هذة الحكمة البالغة أنه لم
يوجد ليكون أباً
لأحد من الرجال و إنما
ليكون أخر المرسلين قال تعالى { مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن
رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ
اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (40) سورة الأحزاب , إن الأبتر الحقيقى
يا محمد هو الذى يضايقك بهذا القول لأنة لن ينفعة مالة ولا ولدة و ليس لة
بعد موتة إلا الخلود فى النار وإن الذى يضايقك بهذا القول هو الأبتر حيث لا
عمل صالح له و لاقيمة له ولا رجاء و مصيرة جهنم و بئس المهاد . و لموت
أبنائه حكمه أخرى و هى البلاء فكان رسول الله أشد بلاء من الخلق فمات أبوه
قبل أن يراه و ماتت أمة و هو صغير و مات عمه الذى كان يحميه ثم ماتت زوجته
الحنونه و ها هو الأن يموت له أولاده ومع كل هذا فهو الخلوق الصابر الذى
قال عنه ربه { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم ٍ} (4) سورة القلم و لتكن
حكمه الله تعالى فى أن يبتلى حبيبه محمد ليكون للناس عبره لأنه أحب إنسان
إلى الله تعالى و مع ذلك إبتلاه بلاء عظيماً ليعلم الناس أن كلما ذاد
الإيمان و الحب لله تعالى ,كلما ذاد الإبتلاء و المرض والله أعلم .
إسلام عمر بن الخطاب رضى الله عنه


